التخطي إلى المحتوى

عادة ما يصاحب كل تغيير اقتصادى يزيد الأعباء على المواطنين شكوى مفادها أن الطبقة الوسطى هى التى تتحمل الكثير من الأعباء الجديدة. وتتردد هذه الشكوى سواء كان التغيير زيادة فى الضرائب، أو ارتفاع فى أسعار الكهرباء أو رفع الدعم عن البنزين والمحروقات. وما يثير الاهتمام هنا أن الكثير ممن يدفعون بهذه الشكوى ليسوا بأى مقياس من المقاييس من الطبقة الوسطى. وليسوا أيضا، كما يحبون أن يضيفون أحيانا (كأنما من باب الدقة): من الطبقة الوسطى العليا. وهدفى هنا ليس تقييم إلى أى مدى تدفع بالفعل الطبقة الوسطى فاتورة التغييرات الاقتصادية. الهدف هو توضيح أن الكثير ممن يظنون، بحسن نية فى معظم الأحيان، أنهم من الطبقة الوسطى، ليسوا كذلك بأى حال من الأحوال. وأستند فى هذا لحقيقتين بسيطتين: أن نسبة طلاب المدارس الخاصة للغات فى مصر لا يتعدى الـ٤٪ من عدد الطلاب، بينما نسبة طلاب المدارس الخاصة الدولية لا تتعدى النصف فى المائة من عدد طلاب التعليم ما قبل الجامعى فى مصر.
عزيزى القارئ، إذا كان أطفال عائلتك يلتحقون بمدارس خاصة تدرس باللغات الأجنبية فأنت غالبا من أغنى ٤٪ من سكان هذه البلد. وإذا كانوا يلتحقون بمدارس اللغات المتميزة (مرتفعة المصاريف فى الأحياء الغنية) فأنت غالبا من أغنى ٢٪. أما إذا كانوا فى مدارس دولية فأنت على الأرجح من أغنى نصف فى المائة من السكان. ولا يهم كثيرا أنك تعلم أنك أقل ثروة من هؤلاء الذين يشترون قصرا فى الساحل الشمالى بعشرين مليون جنيه. ولا يهم إن كنت تمتلك عقارا فى الساحل الطيب أم الشرير. ولا يهم إن كان العقار فيلا فى الصف الأول أمام البحر أم شقة بدون حديقة، أم فى الجهة الأخرى من الطريق الساحلى (أو تحت خط الفقر كما قال لى أحد «الأغنياء»). بل لا يهم عزيزى إن كنت تستأجر المصيف ولا تمتلك عقارا من الأساس. فالتعدد والتفاوت موجود حتى فى الطبقة الغنية، خاصة فى دولة كبيرة مثل مصر. إن النصف فى المائة من ١٠٠ مليون نسمة هو نصف مليون شخص. قد تكونين عزيزتى أفقر هؤلاء النصف مليون مصرى، ولكنك لا زلتى من أغنى أغنياء هذا البلد. وقد تكون عزيزى أفقر هؤلاء الأربعة مليون الذين يلتحق أبناؤهم بمدارس اللغات، ولكنك لا زلت من أغنى ٤٪ من السكان. فهل يجعلك هذا حقا من الطبقة الوسطى؟ وماذا نسمى الأسر التى يبلغ دخلها حوالى ٥٨٠٠ جنيه شهريا، وهو أحدث تقدير لمتوسط دخل الأسرة (بكل أفرادها وليس فردا واحدا) أصدرته الجهات الرسمية (التعبئة والإحصاء)؟.
وقد يصر بعض الأغنياء على انتمائهم للطبقة الوسطى لأن أسرهم لم تكن من الباشاوات وقاطنى السرايات فى الأجيال السابقة. ولكن كون أجدادك لم يكونوا من الطبقة الصغيرة جدا من الأعيان تاريخيا، لا يجعلك أنت من الطبقة الوسطى حاليا. لا العجز عن تخيل موقعك الاقتصادى الحقيقى، ولا الترقى الاجتماعى عبر الأجيال ولا استحالة مواكبة من هم أغنى منك، ولا حسن النية يغير من الأمر شيئا.
• • •
بالنظر للأرقام الرسمية عن المدارس سنجد أن ما يقرب من ١٠.٥٪ من الطلاب (أو ٢.٥ مليون من إجمالى ٢٣.٥ مليون طالب) فى مصر يلتحقون بالمدارس الخاصة: والتى تنقسم لمدارس عربى ولغات. وبالنظر لمدارس اللغات فقط، فيلتحق بها ٤٪ من إجمالى الطلاب، وهذا بحسب أرقام الملخص الإحصائى للتعليم ما قبل الجامعى لعام ٢٠٢٠. ولا يحصى الكتاب الإحصائى السنوى لوزارة التربية والتعليم عدد المدارس الخاصة الدولية أو طلابها، وإن كانت تصريحات رسمية للوزارة قد أشارت إلى وجود ٢٢٠ مدرسة دولية فى مصر من أصل ٥٦ ألف مدرسة. وتشير التقديرات المتاحة إلى أن نسبة الملتحقين بالمدارس الدولية تمثل ٠.٥٪ من الطلاب ككل و٥٪ من طلاب المدارس الخاصة. فإذا كانت الطبقة الاجتماعية مرتبطة بالقدرة على الإنفاق على التعليم فسنجد أن لدينا خريطة مبدئية للطبقات المصرية من مدلولاتها أن هناك فئات على قمة الهرم الاجتماعى تدفع بأنها تنتمى لوسطه.
وتوجد دلالات عدة لإصرار أو إحساس بعض الأغنياء بانتمائهم للطبقة الوسطى. ويدل هذا الإحساس بالدرجة الأولى على مدى انفصال هذه الطبقة عن باقى فئات الشعب وابتعادها التام عن فهم أوضاعه وقضاياه. كما أن عجز هذه الطبقة الغنية عن إدراك وضعها الحقيقى يجعلها أكثر استجابة لخطابات المظلومية بأنها طبقة مضطهدة يتم إلقاء مزيد من الأعباء عليها دون أن تستفيد استفادة مباشرة. علما بأن الضرائب على الأغنياء فى معظم دول العالم هى وسيلة لتوفير الكرامة والحد المقبول من التعليم والتثقيف والصحة الجيدة لكل المواطنين. والمقصود فعليا أن تستفيد منه بالأساس معظم فئات الشعب وليس الـ٥٪ الأغنى من السكان. وقد يكون سبب السخط هو أن الضرائب المتزايدة قد لا تذهب لأهدافها وإنما لسداد الديون مثلا دون تقدم حقيقى فى مستوى الخدمات من تعليم وصحة. وقد يكون إحساس المظلومية يعكس إحساس هذه الطبقة أنها تدفع ثمن ذنب ما لم تقترفه جراء تردى مؤسسات وخدمات الدولة (تدفع مثلا مصاريف مدرسية باهظة لمجرد الهرب من مدارس ضعيفة المستوى ولكن دون الحصول على مردود مناسب لإنفاقها). ومرة أخرى لا نقول أبدا إنه لا توجد أسباب للسخط أو أعباء متزايدة على هذه الطبقات الميسورة وبوتيرة سريعة جدا أيضا، ولكننا نركز فقط على إصرار جزء من هذا الطبقة على فهم وتوصيف معين لموقعهم الاجتماعى والمادى.
• • •
نهاية يجب أن ننوه أن قياس الطبقة الاجتماعية بناءً على نوع المدرسة ومستوى الإنفاق على التعليم لا يمكن أن يكون دقيقا تماما. نعلم مثلا أن بعض الأسر تنفق على التعليم أكثر مما تنفق على العقارات، بينما بعض الأغنياء لا يهتمون على الإطلاق بالاستثمار فى التعليم. وبالتأكيد فإن تعريف الطبقة الاجتماعية عليه اختلافات واسعة، وغالبا ما ينطوى على محاور عدة مثل نوع الوظيفة (professionals: معلم، مهندس، طبيب) أو مستوى الادخار أو الثروة أو الدخل وقد يستند إلى معايير اجتماعية وثقافية أخرى (habitus or culture). بل ويمكننا أن نقول أيضا إن النصف فى المائة من الأطفال فى المدارس الدولية قد يمثلون أكثر من نصف فى المائة من إجمالى عدد الأسر (وذلك لأن الأسر الميسورة عادة يكون لديها عدد أقل من الأطفال). وأننا نحتاج لدقة أكثر ومعلومات أوفر وتعريف أشمل لتحديد الفروق بين الطبقات الاجتماعية المختلفة. ولكن هل سيغير هذا من الواقع والدلالات كثيرا؟
قد تتمسك عزيزى القارى (الميسور جدا) بانتمائك للطبقة الوسطى بتعريفاتها المتعددة، ولكن أرجو أن تتذكر أن هذا يعنى أنك قد تصنف أغنى ١٪ من السكان أنهم من الطبقة الوسطى. وأحب أن أكرر، ولكن هذه المرة مع التأكيد على الاحترام للعمل الجاد وعلى التقدير للعبء الثقيل لارتفاع تكلفة السلع والخدمات والضرائب والتفهم للتضحيات الحقيقية من أجل توفير حياة جيدة. عزيزى وعزيزتى الذين يلتحق أبناؤكم بمدارس اللغات المتميزة والدولية: عذرا فأنتم لستم الطبقة الوسطى المصرية.
باحثة متخصصة فى مجال تطوير التعليم

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.