التخطي إلى المحتوى

كتبت- منال المصري:

قال مصرفيون واقتصاديون إن البنك المركزي المصري اختار اتباع سياسة الخفض التدريجي لسعر صرف الجنيه مقابل الدولار، وذلك ما يحدث على أرض الواقع حاليا، وذلك تجنبا لحدوث صدمات سعرية وارتفاع معدلات التضخم في حالة ترك سعر الجنيه لخفض حاد.

وكانت أسعار الدولار واصلت ارتفاعها التدريجي مقابل الجنيه في البنوك خلال اليومين الماضيين، وذلك استكمالا لما تشهده في الأسابيع الماضية، حيث زاد 3 قروش يوم الأحد، وقرشين أمس الاثنين.

ويأتي ذلك وسط توقعات باستمرار اتباع مصر سياسة سعر صرف مرن وذلك ضمن الإجراءات التي قد تدخل في المفاوضات الجارية مع صندوق النقد الدولي لتطبيق برنامج جديد للإصلاح الاقتصادي يتضمن الحصول على تمويل.

وعين الرئيس عبد الفتاح السيسي الشهر الماضي حسن عبد الله قائما بأعمال محافظ البنك المركزي المصري، وهو ما أعقبه توقعات بأن يخالف عبد الله سياسة خلفه فيما يتعلق بسياسة تحريك سعر العملة في حالة الحاجة لها مثلما حدث في 3 نوفمبر 2016.

وشهد سعر الجنيه مقابل الدولار تراجعا ملحوظا منذ يوم 21 مارس وحتى الآن، حيث ارتفع سعر الدولار بأكثر من 22%، ليصل متوسط سعره في البنوك حاليا إلى 19.31 جنيه للشراء، و19.39 جنيه للبيع.

وقال الدكتور فخري الفقي، الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، ورئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، لمصراوي، إن البنك المركزي يتجه حاليا من اتباع سياسة سعر صرف تعتمد على الخفض التدريجي، وهو إجراء مطلوب لمعالجة الأوضاع الاقتصادية حاليا.

وأضاف أنه من المرجح ألا يتبع البنك المركزي مجددا سياسة التحريك الكبير للجنيه مرة واحدة تجنبا للصدمات السعرية وارتفاع معدل التضخم.

وكان البنك المركزي السابق أعلن تحرير سعر الصرف في نوفمبر 2016 لتتحول مصر إلى اتباع سعر صرف حر يتم تحديده وفقا لآلية العرض والطلب بالبنوك، ولكن في يونيو الماضي قال المحافظ إن السياسة النقدية عادت وقت جائحة كورونا إلى اتباع سياسة تثبيت سعر الصرف لتجنب وجود صدمات سعرية.

وأوضح فخري الفقي أن الخفض التدريجي يساعد المركزي في الوصول للسعر العادل للجنيه طبقا لسياسة العرض والطلب مع نهاية العام الجاري، وذلك مع نمو موارد تدفقات النقد الأجنبي بما يجنب السوق حدوث صدمات سعرية وارتفاع التضخم.

وأضاف الفقي أن موارد النقد الأجنبي بدأت في التحسن الكبير والتي تتضمن إيرادات قناة السويس، وتحويلات المصريين العاملين بالخارج، والصادرات، والاستثمار المباشر مما قد يقوي بعضا من موقف الجنيه مقابل الدولار ليصل مع نهاية العام إلى 20 جنيها.

وأوضح أن صندوق النقد الدولي ينظر في النهاية عند تحديد سعر صرف الجنيه على قدرة القطاع المصرفي على تدبير احتياجات الاعتمادات المستندية سواء سعر صرف مدار أو حر، فإذا تساوى العرض مع الطلب فلن يكون هناك تعارض مع سياسة الصندوق.

وقال محمد بدرة، الخبير المصرفي، إن البنك المركزي يعمل حاليا على التحول إلى سياسة سعر صرف مدار بطريقة ذكية عبر خفض الجنيه بشكل تدريجي، وهي سياسة ناجحة يديرها محافظ البنك المركزي الجديد معتمدا على خبرته وتخصصه في إدارة المعاملات الدولية والخزانة حتى يصل للسعر العادل للجنيه.

وأضاف بدرة أن عدم اتباع سياسة الخفض الكبير لسعر الصرف دفعة واحدة يجنب مصر حدوث صدمات سعرية وحدوث موجة تضخمية، وعدم استغلال بعض التجار مطامعهم في رفع الأسعار بدرجة حادة.

وذكر أن الأوضاع الاقتصادية المصرية يتماشى معها سياسة الخفض التدريجي حتى الوصول إلى السعر العادل للجنيه وفقا لآلية العرض والطلب.

وأعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، في بيان له يوم الخميس الماضي، عودة ارتفاع معدل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية في أغسطس بعد تراجعه لشهرين متتاليين، مسجلا 15.3% مقابل 14.6% في يوليو.

وارتفع معدل التضخم السنوي في المدن خلال أغسطس الماضي إلى 14.6% مقابل 13.6% في يوليو، وفقا لبيانات الجهاز.

فيما أعلن البنك المركزي ارتفاع معدل التضخم الأساسي المعد من جانبه إلى 16.7% في أغسطس الماضي مقارنة 15.6% في يوليو السابق له.

ولا يزال معدل التضخم السنوي في المدن متجاوزا النطاق المستهدف الذي وضعه البنك المركزي لمعدل التضخم السنوي عند مستوى 7% (بزيادة أو نقصان 2%) في المتوسط خلال الربع الرابع من عام 2022.

وقال عضو مجلس إدارة في أحد البنوك الخاصة، لمصراوي، إن البنك المركزي يتبع سياسة الخفض التدريجي لسعر الجنيه مقابل الدولار، متوقعا استمراره في اتباع نفس النهج تجنبا لأضرار التعويم الحر طبقا لسياسات جدوى محددة.

وأضاف أن ترك سعر الصرف لسعر السوق بشكل كامل في الفترة الحالية مرة واحدة سيؤدي إلى صعوبة التنبؤ بسعر صرف الدولار في ظل وجود ضغط كبير على الجنيه نتيجة زيادة الطلب على العملات الأجنبية مقابل تراجع المعروض.

وتابع: “لكن السياسة النقدية حاليا لديها قدر كبير من الذكاء في اتباع خفض تدريجي للعملة المحلية لحين حدوث انفراجة في موارد النقد الأجنبي من شأنها أن تعزز من قوة الجنيه مقابل الدولار”.

ويعتقد عضو مجلس الإدارة أن السياسة النقدية في البنك المركزي وضعت سعرا عادلا للجنيه أمام الدولار ستصل إليه تدريجيا تجنبا لحدوث صدمات سعرية وخاصة أن الكثير من المنتجات المتداولة في السوق المصري مستوردة وستؤثر مباشرة على المستهلك.

وقالت سهر الدماطي، الخبيرة المصرفية ونائبة رئيس بنك مصر سابقا، لمصراوي، إن البنك المركزي يتبع سياسة سعر الصرف المدار تجنبًا للتداعيات السلبية وارتفاع معدلات التضخم، وإنه على الأرجح لن يتخذ إجراءً بخفض كبير دفعة واحدة في سعر الجنيه.

وأضافت الدماطي أن التعويم المدار سيجعل المحافظ الجديد أكثر قدرة للسيطرة على التضخم مقارنة بترك سعر الصرف لسعر السوق بشكل كامل والذي قد ينتج عنه تداعيات سلبية.

خفض كبير في الطريق

من جانبه، خالف هاني جنينة، الخبير الاقتصادي والمحاضر في الجامعة الأمريكية، هذا الاتجاه، وقال لمصراوي، إن الخفض التدريجي الذي يحدث حاليا لسعر صرف الجنيه من المتوقع أن يكون تمهيدا لحدوث خفض كبير، بما يعادل ارتفاع سعر الدولار بنسبة بين 10% و15% خلال الفترة القريبة المقبلة وهو نفس المستوى الذي يسعر عليه بعض التجار السلع حاليا.

وأوضح أن البنك المركزي يعتمد حاليا على الخفض التدريجي لسعر الصرف حتى الانتهاء من بعض الإجراءات قبل إطلاق يد الجنيه مقابل العملات الأجنبية، حيث يعمل حاليا على إتمام المفاوضات مع صندوق النقد الدولي، وإتاحة الوقت الكافي أمام الشركات والبنوك لتسوية مراكزهم قبل هذا الإجراء تجنبا لوقوع أي أضرار عليهم.

وأضاف جنينة أن التعويم المدار ليس مناسبا لمصر، حيث سيؤدي إلى وجود تشوهات سعرية ويعطي رسالة مشوهة بوجود عجز، وكذلك يضغط على البنك المركزي بالتدخل بالاحتياطي النقدي الأجنبي لدعم الجنيه.

وذكر أن سعر الصرف الحر قد يرفع أسعار بعض السلع التي لا يتم تسعيرها بسعر السوق مثل السلع الحكومية سواء مدعومة أو غير مدعومة ولكنه سيكون أفضل من ندرة هذه السلع.

وأوضح هاني جنينة أن ارتفاع أسعار السلع مع توافرها سيكون أفضل للمواطن من عدم وجودها وسيدفعه لترشيد نفقاته، وكذلك يساعد على تشغيل عجلة الإنتاج في المصانع.

وأضاف أن مصر يتماشى معها خلال الفترة الراهنة سعر صرف حر في ظل عدم وجود دولار كافٍ في احتياطي النقد الأجنبي لإدارة سعر الصرف، ولكن يمكن إدارة سعر الصرف من ناحية أخرى عبر رفع سعر الفائدة لتقليل الإنفاق المحلي وتحقيق التوازن.

وأوضح أن إدارة سعر الصرف ستكون مجدية في حالة واحدة وجود تدفقات دولارية كبيرة من الصادرات والاستثمارات واحتياطي نقدي كبير يصل إلى 100 مليار دولار.

وتراجع احتياطي النقد الأجنبي لدى البنك المركزي المصري للشهر الرابع على التوالي وللمرة الخامسة خلال آخر 6 أشهر في شهر أغسطس الماضي، ولكنه انخفض بأقل وتيرة بما يعد استقرارا نسبيا.

وانخفض الاحتياطي بنحو مليون دولار خلال أغسطس، بحسب ما أعلن البنك المركزي مؤخرا، ليصل إلى مستوى 33.142 مليار دولار في نهاية الشهر الماضي.

ورغم ذلك فقد الاحتياطي نحو 7.8 مليار دولار من قيمته بنسبة 19% خلال أول 8 أشهر من العام الجاري، وذلك تزامنا مع تداعيات أزمة أوكرانيا على الاقتصاد العالمي والمحلي، وسياسة رفع الفائدة عالميا، والتي استدعت استخدام جزء من هذا الاحتياطي خلال بعض هذه الشهور.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.