التخطي إلى المحتوى

ويرى خبراء في شؤون المناخ أن ما زاد من حدة ووقع ما يحدث بأوروبا هو أن بلدانها كانت الأكثر تماسكا ومناعة واستعدادا لمقاومة ظروف وتبعات التغير المناخي، ثم صدم العالم بمشاهد مرعبة تعكس عمق معاناتها وخاصة في دول جنوب القارة الأوروبية كإيطاليا، وفرنسا، وإسبانيا والبرتغال.

وامتدت آثار التغيرات البيئية الناتجة عن تسارع موجات الاحترار العالمي إلى كل من ألمانيا وبريطانيا شمالا.

 يقول الخبير المناخي والبيئي وعضو الاتحاد العالمي لصون الطبيعة، أيمن هيثم قدوري، في لقاء مع موقع “سكاي نيوز عربية”، “تقارير الأمم المتحدة وتنبؤات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية كانت قد رسمت ملامح قاتمة لآثار التغير المناخي والجفاف المحتمل لنحو 60 بالمئة تقريبا من أراضي مختلف القارات للأعوام الخمس ما بين 2021 و2025”.

وأضاف “ركزت معظم تلك التقارير على وضع القارة الأوروبية، وسط توقعات بأن ترتفع فيها معدلات  الحرارة بمقدار 1.5 درجة مقارنة بالمعدلات المسجلة عام 2018، متجهة نحو الارتفاع المتوقع بحسب تقرير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية بمقدار 2.7 درجة مئوية بحلول عام 2100”.

 ويضيف قدوري :”صحيح أن أوروبا عامة تعاني، لكن وقع الأزمة أكبر على بلدان أوروبا الجنوبية، حيث فجعت إيطاليا مطلع شهر يونيو المنصرم بخسارة ما يقارب 75 بالمئة من منسوب نهري دورا بالتيا و بو، والأخير هو أطول أنهار البلاد الذي يمد لما يصل إلى 80 في المئة من الأراضي الزراعية في الشمال الإيطالي، حيث يعاني حوض نهر بو من الضغط البيئي الهائل نتيجة استنزاف موارده المائية بشكل مناطقي عن طريق حفر القنوات المائية بصورة عشوائية واستغلالها لمصالح فئوية وشخصية، بعيدا عن مراعاة الحق العام وما سيؤول له مستقبل النهر في حال قست ظروف التغير المناخي على البلاد، لتأتي هذا العام موجة جفاف لم تشهدها إيطاليا بشكل خاص والجنوب الأوروبي عامة منذ قرابة 70 عاما”.

مؤشرات مقلقة

واتسم الشتاء الماضي، كما يوضح المتحدث “بقلة تساقط الثلج وانحسار مناطق الهطول المطري، إذ انخفصت معدلات هطول الأمطار بإيطاليا لأكثر من 55 بالمئة عن معدلاتها في الأعوام السابقة، إضافة لانخفاص التساقط الثلجي بنسبة 70 بالمئة لتفقد البحيرات المجهزة لمجرى نهر بو إمكانية استدامة تدفقه.

وأدى هذا الأمر إلى تراجع منسوب النهر إلى 20 بالمئة تقريبا من منسوبه الطبيعي، لتتفاقم بذلك أزمة ارتفاع تركيز الملوثات في مياه النهر المستخدم بشكل رئيسي في ري المزروعات والمساحات الخضراء في إيطاليا، ما أدى لتعاظم نسب هذه المواد السامة في جسم النبات، والتي تتألف في الغالب من العناصر الثقيلة (Heavy Metals) وأبرزها الزئبق، الرصاص، الكاديميوم، الزرنيخ، نتيجة طرح مخلفات ري الأراضي الزراعية المحملة بالأسمدة الكيمياوية لمجرى النهر، ليصل الحال لنفوق أعداد كبيرة من الأسماك والمواشي”.

 وحذر الباحث “من الممكن أن يتطور الوضع البيئي المأساوي بإيطاليا لتفشي الأوبئة والأمراض في مناطق الضغط البيئي المرتفع، فانحسار مياه بحيرة غاردا أكبر البحيرات الإيطالية الواقعة بين مدينتي بريشيا وفيرونا شمالا لأدنى مستوياتها تاريخيا، أبرز علامات انخفاض منسوب نهر بو المورد الرئيسي لمياهها”.

ويورد الخبير المناخي والبيئي مثالا أوروبيا آخر، قائلا :”لم تختلف آثار التغير المناخي بفرنسا عن باقي بلدان القارة بل كانت أشد وبمستويات أعنف، حيث شهدت البلاد عددا غير مسبوق من حرائق الغابات خلال الشهر الماضي وانتشرت في عمومها متركزة بمناطقها الجنوبية”.

وقاد ارتفاع درجات الحرارة الذي قارب 45 درجة مئوية، لجفاف عمود التربة الرطب بفعل ارتفاع مستوى طلب المياه لنباتات الغابات، التي هلكت بفعل ارتفاع معدلات التبخر وتحولت لمواد أولية سريعة الاشتعال لتساهم في تفاقم أزمة الحرائق”.

ويوضح قدوري أن فرنسا تعاني “جفافا في المجاري المائية بفعل الانخفاض الحاد في التجهيز المائي بسبب ندرة التساقط المطري وقلة الغطاء الجليدي، ليتحول المناخ الرطب صيفا لمناخ شبه جاف”.

ويستطرد في شرح عمق الأزمة “أطول أنهار فرنسا لوار الذي ينبع من مرتفعات إقليم الأرديش ويصب في المحيط الأطلسي، أصبح بدون مياه تقريبا في بعض أجزائه الشمالية، وباتت معظم المدن الفرنسية تعاني اليوم من نقص حاد في تجهيز مياه الشرب، كما أعاق انخفاض نهر لوار عمليات الملاحة النهرية وفاقم الأزمة الاقتصادية التي تمر بها فرنسا على وقع تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، الأمر الذي سينعكس على إمكانية تجهيز الطاقة الكهربائية في قادم الأيام، لتصبح فرنسا اليوم في مقدمة دول القارة العجوز تأثرا بعوامل التغير المناخي المتسارع هذا العام بصورة قياسية”.

يقول قدوري إنه رغم توالي النداءات والدعوات للحد من تفاقم أزمة الاحترار العالمي نتيجة التغير المناخي خلال السنوات العشر السابقة”إلا أنه لم تؤخذ على محمل الجد لا دوليا ولا أوروبيا، كون آثار التغير المناخي المتطرف غير ملموسة على المدى القريب، لكنها فتاكة إذا ما حلت كما نلاحظ الآن مع الأسف”.

وهكذا يخلص الخبير المناخي والبيئي للقول محذرا :”صيف 2022 لم يكن إلا ناقوس خطر لما هو أعنف خلال السنوات الخمس القادمة، وعليه فلا بد من العمل على ترشيد استهلاك الموارد المائية والتعامل مع مجاري المياه على أنها ثروات طبيعية وجودية ليتحمل كافة أفراد المجتمعات مسؤولية استدامتها، والتوجه نحو التحول الأخضر وتقنين صرف المياه، بحيث أن ذلك سيقلل ولا ريب من الآثار البيئية الفتاكة التي تهدد القارة العجوز والعالم في السنوات القليلة القادمة”.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *